محمد خليل المرادي

151

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

وفي آخر أمر المترجم حصل له داء في رأسه ، كان يغيب عنه درجة ويعود إليه ، وكان يتكرّر ذلك عليه كثيرا ، حتى أنحله ونغّص عليه عيشه الرغيد ، وبقي فيه مقدار خمس عشرة سنة ، وصرف على دفعه وعلاجه مالا كثيرا ، وعالجه خلق كثير من حكماء الأشباح والأرواح ، فلم يفده شيئا إلى أن مات . حتى أخبرت أنّه كان مرّة جالسا في قصره ، والآلات تضرب والخدم وقوف لديه ، والناس وفود إليه ، وهو في نعمه متخوّل ، وعلى سرير جاهه وعزّه مترنّح ، وبسربال السّعود مكتسي ، إذ عاد إليه الداء المذكور فعاد لأنينه وتأوّهه وحنينه وشكواه وتوجّعه ، فرأى وهو في هذه الحالة تحت القصر رجلا زبّالا وبجانبه رفيق له وهما يتحادثان بما فعلا من الأكل وغيره ، ويحمدان حالهما وهما منشرحان يترنّمان بذلك ويكرّران الحديث ، ويختالان في صحّتهما وعافيتهما مع أنّهما في هيئة رثّة وفقر زائد ، فتعجّب من صنع الإله جلّ شأنه . ثم إنه استعذب ذلك منهما فأمر أحد خدّامه بإحضارهما إليه ، فلمّا حضرا لديه قال لهما : أخبراني بما كنتما تتحادثان به الساعة ، فسكتا ، فكرّر السؤال عليهما فقالا : قلنا كذا وكذا . فقال لبعض أتباعه : ادفع لهما كذا وكذا من الدراهم . فصرفهما بالإكرام ، ثمّ قال : واللّه إنّي لأتمنّى أن أكون مثلهما في حالتهما هذه ، ولا أكون في هذا التخوّل والثروة مع هذا الداء . فللّه الحكم الباهرة والأحكام القاهرة ، لا إله إلّا هو . وكانت وفاة المترجم في يوم الأحد الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين ومائة وألف ، ودفن بتربة الشيخ أرسلان رضي اللّه عنه ، ورحمه اللّه تعالى . عبد المعطي الخليلي - 1154 ه عبد المعطي بن محيي الدّين الشافعي ، الخليلي الأصل والوطن ، القدسي المأوى والسكن . رحل من بلده الخليل للجامع الأزهر ، فجدّ ودأب ، وسهر الدياجي ، ولازم كلّ همام علّامة . وباحث وناظر أقرانه ، وتضلّع من مذهب الإمام الشافعي رضي اللّه عنه . وأخذ من العلوم التفسيريّة والحديثيّة والفقهية . وشيوخه الذين أخذ عنهم ، منهم الشيخ يونس الدمرداشي ، ومنهم الشيخ عبد الرؤوف البشبيشي ، وهما من علماء الشافعية ، ومنهم العلّامة الشيخ أحمد النفراوي الأزهري من المالكية ، ومنهم الشيخ أحمد الخليفي الشافعي ، والعلّامة الشيخ أحمد بن محمّد ، الملقّب بالفقيه الشافعي ، والشيخ إبراهيم الفرضي الدلجي ، ومنهم الشيخ محمد الكاملي الشافعي الدمشقي ، المدرّس بجامع بني أمية . وأخذ الإجازة من محدّث البلاد الحجازيّة الشيخ محمد عقيلة المكّي ، وأجازه بثبته المشهور ، ومنهم الشيخ محمد الخليلي القدسي ، وما انفكّ يستفيد ويستزيد حتى ظفر بالطارف والتليد ، واستجاز شيوخه فأجازوه بمرويّاتهم . وكانت له متانة في الفروع الفقهية ، شديد المحاضرة على سرد مسائلها البهيّة . تولّى إفتاء